ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
283
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
بباق وشقوة بسعادة ألا ترون أنكم في أسلاب [ أسلاف ] الهالكين وسيخلف بعدكم الباقون ألا ترون أنكم كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل وقد قضى نحبه وانقطع أمله فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسلاب ( 1 ) وفارغ الأحباب وواجه الحساب وأيم الله إني لا أقول مقالتي هذه وأعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي ولكنها سنن من الله عادلة أمر فيها بطاعته ونهى فيها عن معصيته وأستغفر الله لي ولكم ووضع كمه على وجهه وبكى حتى بلت دموعه لحيته وما عاد إلى مجلسه حتى مات . وقال بعضهم من خاف الوعيد قصر عليه البعيد ومن طال أمله ضعف عمله وكل ما هو آت قريب واعلم أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشوم واعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور إنما يندمون على ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون فما ندم عليه أهل القبور أهل الدنيا عليه يقتلون وفيه يتنافسون . وقال بعضهم كم من عامر مونق عما قليل يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من الثقلة وتزودوا فإن خير الزاد التقوى إنما الدنيا كفئ ظلال قلص ( 2 ) فذهب بينما ابن آدم في الدنيا ينافس وهو بها قرير عين إذ دعاه الله لموته ورماه بيوم حتفه فسلبه آثاره ودنياه وصير لقوم آخرين مصانعه ومعناه أن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر أنها تسر قليلا وتحزن طويلا . وعن بعضهم أنه كان يقول أين الوضاة ( 3 ) الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها ضعضع ( 4 ) بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا ( 5 ) ثم النجا النجا .
--> ( 1 ) الأسلاب : جمع سلب وزان فرس وهو ما يسلب . ( 2 ) قلص قلوصا من باب ضرب : وثب . ( 3 ) الواضي : النظيف الحسن . والوضاة جمعه كالقاضي والقضاة . ( 4 ) تضعضع به الدهر : أذله . ( 5 ) الوحا بالمد والقصر : السرعة . النجا بالمد والقصر وبالمد : السرعة .